
ومع عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض،
تتخذ واشنطن منحى أكثر عدوانية تجاه شركائها التقليديين، بينما تجد الشركات التكنولوجية الأمريكية نفسها أمام معضلة معقدة: إما الانحياز إلى السياسات القومية التي تضعف الثقة العالمية بها، أو المجازفة بخسارة أسواق كبرى، وعلى رأسها أوروبا.
ووفق تحليل لـ«فورين أفيرز»، نقلا عــن «العين الإخبارية»، فقد تحوّلت منصات مثل «ميتا» و«غوغل» و«أوبن إيه آي» إلى أدوات ضغط وصراع في قلب معركة جيوسياسية جديدة.
فبعد أن كانت تروّج لخطاب تحرير الإنسان من سطوة الحكومات عبر التكنولوجيا، ها هي اليوم تتورط في تحالفات أمنية واقتصادية تهدد بتقويض ما تبقى من الإنترنت العالمي المفتوح، وتعيد تشكيل بنية العالم الرقمي على أسس قومية صارمة.
من الحلم الليبرالي إلى الكابوس السياسي
لم يكن قبل عقد من الزمن ليتخيل أحد أن شركات التكنولوجيا التي بُنيت على حلم «عولمة المعرفة» و«تحرير البشرية» ستتحول إلى أدوات في نزاعات السيادة والهيمنة.
لقد آمنت هذه الشركات بأن الفضاء الرقمي سيكون فوق السياسة وخارج حدود الدول، وأن الإنترنت سيخترق الجدران ويفكك أنظمة الرقابة، لكن الواقع أثبت العكس.
فقد تحوّلت تلك المنصات إلى ساحات تجسس، وأدوات دعائية، وأحيانًا أدوات للتحريض والإبادة، كما حدث في ميانمار.
اليوم، تجد «بيغ تيك» نفسها في خضم أزمة متعددة الأوجه: إدارة ترامب تتخذ موقفًا متشددًا تجاه أوروبا، وتتهمها بمحاولة كبح جماح الشركات الأمريكية تحت ستار التنظيم، فيما يرد الأوروبيون بالسعي إلى فك ارتباطهم التدريجي بالبنية التحتية الرقمية الأمريكية، في خطوات تهدد بإعادة رسم خريطة الإنترنت كما نعرفه.
الحليف القديم يتحول إلى خصم
رغم توقّع الكثيرين أن إدارة ترامب الثانية ستواصل نهجها التصعيدي تجاه الصين، فإن الواقع يشي بعكس ذلك.
فالفريق الجديد في واشنطن يبدو أقل اهتمامًا بكبح الطموحات الصينية، وأكثر شراسة في مواجهة «القيود» الأوروبية على شركات التكنولوجيا الأمريكية.
ويُنظر في البيت الأبيض إلى قوانين مثل «قانون الأسواق الرقمية» و«قانون الخدمات الرقمية» على أنها ضرب من «العداء المقنّع» ضد وادي السيليكون، ما أدى إلى تسارع التصدّعات بين ضفّتي الأطلسي.
فالمؤسسات الأوروبية، سواء القضائية أو الرقابية، تتحرّك بالفعل لتقليص الاعتماد على شركات وادي السيليكون، في مجالات تمتد من الحوسبة السحابية إلى الذكاء الاصطناعي، بل وتهدد بقطع تدفقات البيانات العابرة للأطلسي، وهو ما يُنذر بتفكيك البنية التحتية الرقمية المشتركة التي قامت عليها عولمة الإنترنت.
من التحرير إلى السيطرة
في العقود الماضية، كانت واشنطن ووادي السيليكون يتحدثان بلغة واحدة: الحرية والانفتاح والديمقراطية الرقمية. لكن منذ انتخاب ترامب عام 2016 وإعادة انتخابه في 2024، أخذ هذا التحالف شكلاً مغايرًا.
فالشركات لم تعد تدعو إلى تحرير المجتمعات من الاستبداد، بل تحالفت مع الدولة الأمنية الأمريكية، وقدّمت خدماتها للسلطات مقابل حماية مصالحها التجارية.
بل إن بعض هذه الشركات، مثل «بالانتير»، بنت نموذج أعمالها على التداخل مع المؤسسات الأمنية.
وعندما فرضت واشنطن قيودًا على شركة «هواوي»، انضمت مايكروسوفت وغوغل إلى حملة العزل، وساهمت في منع وصول البرمجيات الأمريكية إلى العملاق الصيني.
ولم تعترض هذه الشركات على قرارات تهدد أرباحها، بل التزمت بها بروح منضبطة، وكأنها جزء من آلة الدولة.
أوروبا تبني عالمها الخاص
على الجانب الآخر، تسعى أوروبا إلى شقّ طريقها الرقمي المستقل. لم تعد ترى في الهيمنة الأمريكية ضمانة للأمن، بل خطرًا استراتيجيًا قد يُستخدم ضدها.
ولهذا، بدأت برلين وباريس وبروكسل في دفع مشاريع بديلة: «السحابة الأوروبية»، وتطوير أنظمة تشغيل، وتعزيز الشركات المحلية الناشئة، ومحاولة فرض سياسات خصوصية أكثر صرامة تُجبر الشركات الأمريكية على الانصياع أو المغادرة.
هذه الديناميكية الجديدة تُنذر بتراجع كبير في نفوذ وادي السيليكون، وبتراجع مداخيله من السوق الأوروبية التي تُعد ثاني أكبر أسواقه.
وإذا ما استمرت هذه الديناميكية، فإن نموذج الأعمال الذي قام على التكامل والاتصال العالميين قد ينهار تحت ضغط الجغرافيا السياسية.
النهاية المفتوحة
ربما كان مؤسس مايكروسوفت، بيل غيتس، يؤمن بأن «المعلومة تريد أن تكون حرة»، لكن في عالم 2025، تبدو هذه المقولة ساذجة. فالمعلومة باتت محكومة بالجدران السيادية، والأسلاك الحدودية، واللوائح العابرة للقارات.
والإنترنت الذي كان يُنظر إليه كمجال مشترك للبشرية، يتحول إلى فسيفساء من الشبكات المتباينة، تسيّره المصالح، وتحدّه السياسات، وتقيّده المخاوف.
في هذا المشهد، يبدو أن شركات وادي السيليكون، التي كانت ذات يوم تحمل شعلة الثورة الرقمية، قد تجد نفسها ضحية لصراعات لم تكن مستعدة لها، وقد تخسر ليس فقط أوروبا، بل موقعها كمركز للابتكار والهيمنة الرقمية في العالم.
تابعونا على صفحتنا الفيس بك