ثقافة

قصة قصيرة”أعياد اليتامى غالبًا ما تكون على القبور” الكاتب إيراهيم عمار.

كتب حنان محمد بعرور

أعياد اليتامى غالبًا ما تكون على القبور
جاءني صوتها آمرًا ، وأنا بين النوم واليقظة، أَشدّ عليّ لحاف الصوف من لسعة الصقيع التي تخترقُ ثقوبَه، يتقلب أخي الصغير جواري، أسمعُ صفيرَ الهواء يتسللُ من فتحة ضلفة الشباك، وحفيف أوراق الشجرة العتيقة أمام البيت.. كثيرًا ما أمرتني بتَسمِيرهِ، وأنا أتجاهلُ قولها أو أنسى ربما….
لم أسمعْ أذان الفجر، لكنها طالمَا استيقظتْ، فحتمًا قد جاء الموعدُ، هي عند كل فجر مذ أيقنتُ وجودها تقومُ بمهامها المعتادة من خبيز وغسيل وطبيخ، صعودًا لطيورها بأعلى السطح، وقد علا صياحهم مع أول ضوءٍ، أتَسمَّعُ وقعَ مِشيتِها على درجات السلم، وأَترقّبُ نُزولها لتدبَ في البيت الحياة.
صوتُها يجلجلُ؛ لتوْقِظ البنتين وقد غَطّتا في سبات عميق، تنادي عليهما واحدة تلو الأخرى.. طريقة المنادة تختلفُ بحسب كل يوم وكل موسم، فموسمُ الدارسة –وهو الأطول-نسمع صوتها كأنه جرس المدرسة يرن فى آذاننا، وفي أيام الجُمع والأعطال، يأتي صوتها مجلجلاً لبدء مهام الخبيز والتنظيف والطبيخ.. لكنه اليوم المعتادُ.. مهامٌ كبيرةٌ وكثيرةٌ أمامنا.. من تَركِ الفراش الدافئ إلى لسعة البرد ، للحمام البلدي بنهاية البيت، تتسللُ من شباكه كرابيجُ الهواء.. تتجمدُ أطراف يدي تحت ماء الحنفية.. لايزال أخي في فراشه، آخرُ من يستيقظ ، إنه صغيرُها وآخرُ العنقود.. البنتان قامتا وأثر النوم على وجههما.. يُجهزان ما تبقى من مهام، إنه يوم مختلفٌ!!
مع انطلاق صوت التكبيرات القادم من المسجد العتيق، يتحول البيت خلية نحل، كلٌ يجهز حاله، أخيرًا قام من نومته يفرك عينيه ويتثاءب في براءة .. هل تأقْلمنا على طقوس هذا اليوم؟، إنها مراسمه التى تعودناها على غير عادة الناس.. تلك التي خبا بريقُها القديم منذ زمن، فتبدل كل شيء، وأمست له ذكريات أخرى،،،،
تتعالى صيحاتُ التكبير،ِ ونحن على عجلٍ نُجهز شنطةَ الخبزِ والشُريكِ، باتت أمي والبنات على خبيزه..الفاكهة والفول السوداني والبلح.. وجركن الماء..
(الآن كلُ شيءٍ أصبحَ جاهزًا لرحلة الصعود) هكذا قالت !!
غيومٌ سوداء.. ورذاذ الندى تسلل خِلسة طوال الليل للأسطح والأبواب والأوراق المتبقية بشجرة الجميز العتيقة أمام البيت.. توشحتْ بردائها الأسود الذي لم يُفارقها مذ رحيله، أتذكر لون جلباب القطيفة السُكري الذي كانت ترتديه يوم جاءها الخبر فمزّعته عن صدرها، وأهالت عليه التراب.. البنتان يمامتان يُوشحهما السواد.. ارتديتُ وأخى جلبابينا الكستور وطاقيتين برقبة ومضينا، يجرُ خلفه جريدةَ النخل الخضراء بعد أن نظفتُها أمس من السّلاع.
نبدأ الآن، فرصة تنتهزها أمي للخروج ..فالكل مشغول بالاستحمام والتزين واللبس والتعطر والتكبير والتهليل لصلاة العيد، قبل أن تُلاحقنا عيونُ الحسرة والشفقة، وربما الشماتة..الشوارع فارغة، تخضبت بماء حموم ليلية دافئة، تفوح منها رائحة الصابون المعطر، تعمدتْ كل واحدة من نساء قريتنا أن ترشه أمام عتبة منزلها؛ لتباهي الآخريات بحالها، وتكيد من تكيد!!
أغلقت أمي الباب بقفل نحاسي قديم مُعلقٌ مفتاحه برقبتها كتميمة، ومضينا نحو موقف سيارات الجبل على حافة الجسر، قرص الشمس لايزال محبوسًا يرسل خِفية بعض الأشعة الواهية، يمكننا تمييز الطريق، تتآكل صوت التكبيرات كلما اقتربنا من موقف السيارات الخالي تمامًا، لحظات حتى مرت سيارة الجبل الكبوت، فدلفنا داخلها وانطلقت تطوي الأرض وتثير تُرابا يتصاعد، أتابع حركة السيارة وهى تتخطى الشوارع الترابية الكبيرة..المدرسة الإعدادية..ملعب الكرة..أشجار السنط، لايزال صوت التكبيرات يطِنُ فى أذني، سقف السيارة الكبوت منخفض، أتفادى مع كل مطب خبطة برأسي، تنحرف السيارة كثعبان يتلوى فى شق جبلي لم يشرق نهاره بعد .
هناك فى الجبل الشرقي… ينام وحده، وقد غطاه التراب، وقطعة رخام تحمل اسم الأب والجد يسبقُهما لقب المرحوم، الشمس بدأت أشعتها تداعب العيون، نتحوط القبر الذي تهدمت أركانه واعتلاه العاقول من كل جانب، نَصَبَ أخى الجريدة الخضراء مُشرعة.. نقرأ الفاتحة في صمت…أتابع قرص الشمس، وأسمعها من بعيد:
ولادك ولادك اللى إنت فايتهم
حود عليــــــــــــــــــــهم كمل ربايتهم
*
على العيـــــــــــــــــــــــــد وأنا أجيــــهم
وأشوف مين عمل الجميل فيهم
كم أنت قاسٍ أيها الموتُ! قطراتُ تنساب من عينيها كلما فاض الحنين، لكنها بجسارة تبني سدًا يَحولُ دون نهر الدموع….
طريق الجوامع تبكي عليه وتنوح
تبكي على من كان بيجي ويروح
*
أريد أبوي منشـــــــــــــال فى قفة
والرأى منه والمشـــــــــــــورى تكفي
*
أريد أبويا في بردتو نعسااااان
والرأى منه والمشورى للزماااان
كنت أجلسُ بحجر جلبابه الواسع، استعذبُ رائحةَ عرقه والمضغة وقد اصْفرّ لون شاربه الأبيض، أنظرُ لوجهٍ لفحته شمس الجنوب الحارقة فسوّته بقسمات خشنة، أطالعه كقمة جبل من فرط طوله وأنا بين رجليه، اعتدت صوته..عاصفة هوجاء تقتلع قلوب من حوله، لا أنكر قد تنتابني قشعريرة، لكن كنت أحس بالأمان، لم أعرف طعم الخوف والقلق إلا بعد.. لم أفهم عَدِيدَ العجوز وقتها..لكنه أصبح واقعًا ألمسه كل يوم
خدنا معاك على طرف نبوتك
وإحنا صغـــــار مانقدروا نفوتك
*
خدنا معــــاك على طرف مزراقك
وإحنا صغــــــار مانحملوا فراقك
من بعيد انطلقوا نحونا مهرولين، وجوه صغيرة سمراء رسمت معالمها تُربة الجبل الصفراء، تعبر بخفة أسوار المقابر الوطيئة، تعرف طريقها وسط غابات العاقول، قاماتٌ قصيرة دَقَ الفقرُ عظامها، وأنوفٌ مفلطحة، أجساد أنهكها الضعفُ، وفى عيونهم ابتسامة براءة يكسِرها العوز، مِخلاةٌ من القماش البالي مُعلقة برقبة كل واحدٍ تتدلى برباط جانبي، تختلف أشكالها وأحجامها، وحجم البقع وألوانها، بما تمّ حشوها به خلال تنقلاتهم من مقبرة لأخرى.
جهزت أمي الشريك والفاكهة والفول السوداني والبلح، هجوم الصبية، جراد كاسح يلتهم كل شيء أمامه، كل واحد منهم يحاول أن ينتزع نصيبه قبل الآخر..تشعر هنا للحظة أنك الأفضل حالًا، فيضيع ضجرُك..يقل حنقُك..أشاهد صفحة السماء لاحت بها أشعة ناعمة، كيف حال الناس في القرية الآن؟ وقد خرجنا منها ليلًا على حين غفلة..انتهوا من صلاتهم..خرجوا، تتلاقى كفوفهم وأحضانهم، يتباهون بجلابيب الصوف الإنجليزى المُعتبر، وعمائمٌ بيضاء مزهرة، والأولاد بجلابيب سكرتة ناصعة البياض، ينتظر كل منهم عيديته، يتنقلون من بيتٍ لبيت، ومن عمٍ لخال.
أتذكر ذلك جيدًا، كان يصيبني الملل من كثرة السلام والأحضان، لا نمشي مترًا حتى يُوقفه هذا أو ذاك، يسأل عنهم واحدًا واحدًا، الغائب قبل الحاضر، مايلبث أنْ يدلفَ للشارع الخلفي، يمر على عمّاتي واحدة فواحدة، ثم بنات عمه ومنه يسارًا إلى بيت جدي لأمي فيمر على خالاتي، لايخلو الطريق من أحباب وأصدقاء، كان الأطفال يهللون بمقدمه فى كل بيت، إذ تنهال عليهم العيدية يعطي للذكر مثل حظ الانثتين، وللكبير ضعف الصغير، أوراقًا نقدية جديدة تأتيه كل عيد من صراف البنك صديقه.
أسير معه مأمورًا وبي شوق للعودة لأشاهد الخروف صديقي، لكنه يحسب الوقت بدقة متناهية، عم فؤاد يعرف جيدًا عادته وطقوسه، ولن يعود ليشهد الذبح إلا بعد طوافه المعتاد بالأهل، ثم يأتي طوافي باللحم على كل البيوت التي زارها، لم أكن أفهم الرسائل وقتها بشكل جيد، لكنني وعيت تمامًا كل شيء بعد…..
مشهد دمه رغم قساوته يذكرني بعروس النيل، أعلم مصيره من شهور.. على حبل معلق بفتحة الشراع يتدلى..نجمع الكبد والطحال والقلب والمخاصي نضعهم فى حلة، لحظات ونشمُّ رائحة التشويح في البصل، فِطارنا الشهي المفضل….. كانت أيام!!!!
على ضامر مخضب الذيل، جاء من بعيد، وقد تجلدتْ على عظام وجهه قشرةٌ من السواد، برزت منه خيوطُ الدم الجاف المتصلب فى عروقه منذ أمد بعيد، يُنزل تِليس الصوف، زادته أمي خبزًا وفاكهة، وتهللتْ لمقدمه..
: كان أبوك يعطيه كلما ما زار والديه
مد يده، فمنحته جنيهًا، فقبض عليّ بيد خشنة طويلة الأظافر يحشوها الطين، حاول تقبيل يدي قبل أن أسحبها بسرعة..أحمل له على حماره ويرحل.
أمي تلمُ ماتبقى من الزيارة..نستعدُ للرحيل..ترش الماء البارد حول القبر تروي زهر العاقول، كانت تُوقن أن كل قطرة ماء وكل قطعة خبز ستصل له حتمًا.. الماء سيتسبب فى انتشار العاقول، أقول لها.. فتقول: هو وردُ المقابر، يظلل عليه ويرويه إذا عطش.
طريق العودة صعبٌ رغم خِفة الحمل، لكنه أشعل فى النفس الذكريات، تعثرت قدم أمي مرات فى التراب..عمر طويل من التُرَبِ للأسفلت.. شمس الشتاء لاتشعر بها إلا حينما تتعرى القلوب وتحتاج للدفء.. أمسكتُ يدها وحملتُ حِملها.. تنظرُ إليّ وقد شبَ كتفي عن كتفها شبرًا، فامتلأت عيونها بابتسامة رضًا.. ومضت….
القاهرة في شتاء 2014

تابعونا على صفحتنا الفيس بك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى