شعر

قصة قصيرة (البرام) للأديب محمود عرفات.

كتب حنان محمد 

 

الـــبـــــــــــــــرام
تهلل وجه الممرضة، بتفاصيله المسمسمة، صاحت وهي تكاد تقفز من مقعدها:
= الحاج عبد البديع!
رمقتها رئيسة الحكيمات بنظرة هادئة وآمرة قائلة:

= ماله؟

حاولت ذات الوجه المسمسم أن تداري انفعالها فقالت بهدوء كاذب:
= حجزوا له جناح “أ”.
ردت الرئيسة بغير اهتمام:

= ألف سلامة.

لكن أعماقها كانت تفور بالبهجة لقدوم الحاج. في آخر الممر الطويل، كانت الست حفيظة تمسك بمساحة بلاط ودلو مملوء بماء تعلوه رغوة صابون،

بينما تقبض بيدها الأخرى على منشفة بلا لون. استطاعت في دقيقتين أن تفرض سيطرتها على الممر الذي ينتهي بجناح “أ”، وأدركت جميع العاملات في المبنى أنه لا يحق لإهداهن الاقتراب أو التصوير.

الست حفيظة مترامية الأطراف، غليظة الصوت والملامح كسجانات الأفلام المصرية القديمة، وأنهت المناوشات التي لم تكد تبدأ بصيحة أقرب إلى أناشيد الحرب:

= الحاج عبد البديع من اختصاصي أنا.

خلا الممر، وساد الصمت الكامل.

وصل الحاج عبد البديع إلى سريره بادي الانتعاش. المظاهرة التي صاحبت دخوله من أبنائه وأحفاده وصبيان المحل أصابته بالزهو.

حاولت الممرضة أن تخلي حجرة الحاج لتتمكن الطبيبة من فحصه، أخذت تدفع المتزاحمين برفق إلى الاستراحة الملحقة، بصعوبة أفسحت طريقًا لتدخل الطبيبة تسبقها ابتساماتها الساحرة حيث يجلس وقالت:

= لو سمحت، ممكن ترقد.

فحصته بهدوء ودقة، قرأت تقارير الأطباء، وراجعت النبض والضغط وحركة التنفس، ونقرت بيدها على بطنه، ووضعت السماعة على ظهره، همست:

= كح يا حاج.

طال الفحص وتململ الجمع الذي يفيض حتى الممر، اكتسى وجه الطبيبة بالجدية، الممرضة تعاونها في هدوء بوجه متمرس على الحياد، في النهاية أمسكت الطبيبة بتذكرة الدخول وأخذت تكتب، شعر الحاج بتململ الجمع المزدحم فسأل:

= خير يا دكتورة.

= خير إن شاء الله، نعمل تحاليل وأشعات ونقرر، الله الشافي، سلامتك يا حاج.
في مساء الليلة الأولى، بعد انتهاء الوردية، تلكأت الممرضة في الانصراف، خلعت رداءها الأبيض، وارتدت الثوب الأزرق المحبوك، وصعب عليها أن تذهب دون أن تطمئن على سلامة الحاج، اقترب من رأسه

وقالت في دلال:

= أي خدمة؟ سلامتك يا حاج، زميلتي سهرانة معك للصبح. تهلل وجه الحاج عندما لاحظ جسدها الملفوف ووجهها المسمسم.
بإشارة صامتة إلى سمارة، اتجه الابن نحوها،

ووضع في حقيبة يدها بعض الورقات الخضراء، فابتسمت مرتبكة، ومدت يدها لتؤكد حبكة الثوب واستدارت، فتابعت استدارتها عيون لامعة وأخرى لائمة، بينما كان الحاج يعض شفته السفلى من ألم أسفل صدره.

في مساء اليوم التالي،

بعد أن اطمأنت الست حفيظة، جلست بجوار عم قنديل قاطع تذاكر الزيارة، وأخذت تهمس له بصوت كالرعد:
= العيال المساريع ما صدقوا، نزلوا على الكباب كأنهم غيلان.

عم قنديل سأل عن البرام، فقالت:

= البرام لطاقم التمريض، أما البرام المخصوص للحاج فقد عزم به على الدكتورة منى، لكنها اعتذرت فأرسله إلى رئيسة الممرضات.
قاطعها قنديل قائلًا:

= وأنت يا ست حفيظة؟

 

لم ترد على الفور، لكنها لوت شفتها السفلى وارتفع حاجبها الأيسر مع هزة من كتفيها الأيمن وقالت:

= أنا لي في الورق الأخضر، البرام للمفاجيع.
مصمص الرجل بشفتيه متعجبًا، وأشاح بوجهه، لكن الست حفيظة

لما قامت تسحب جسدها المترجرج تركت في يده جنيهين، فرفع يده بالتحية، وانحنى على المكتب وهو يمثل الاحترام، وقال بطريقة مسرحية:

= تتشكر يا ذوق.

جلست الدكتورة منى في مواجهة رئيس القسم وهي تتحدث عن حالة الحاج، وأفضت إليه بشكوكها، الحالة ليست سيئة، لكنها غير مطمئنة،

وعندما تظهر نتائج التحاليل والأشعة يمكن تقرير العلاج، وعندما استأذنت لتراجع الحالات الأخرى شكت له:

= يا دكتور أنيس، الجناح “أ” أصبح سوقًا من كثرة الزوار والأبناء والصبيان الذين يجلسون في انتظار أوامر الحاج لهم بالغداء، آه نسيت أقول لك، لما منعت الحاج من أكل البرام عزم به عليّ، رجل مجنون صحيح.

ضحك الدكتور أنيس وهو يقول:

= برام الحاج عبد البديع ماركة مسجلة، مفعوله أكيد، شارع السباعي كله يتحدث عن أفضاله، هييييه، وماذا قلت له يا دكتورة؟
ابتسمت الطبيبة وهي تداري شعورًا مفاجئًا بالخجل، وقالت:
= قلت له ابعث البرام للست رئيسة التمريض، وأظن أنها لن تصحو قبل ظهر الغد.

سمارة الابن الأكبر للحاج، وموضع ثقته، عندما تعتل صحة الوالد، فإنه يذهب به إلى الدكتور مكرم طبيب العائلة، ينصحه قائلًا:
= يا حاج اسمع الكلام، وخذ الدواء، ولا داعي للبرام.
يهتف الحاج في كل مرة:

= إلا البرام.

الدكتور مكرم يوصي سمارة بأبيه، ويقترح أن ينقله إلى مستشفى الرحمة، لكن سمارة يعلن أنه وضع أصابعه العشرة في الشق، لأن الحاج يقاطع المستشفيات الخاصة، لكن الدكتور مكرم يحاول ثانية، فيهيج الحاج صارخًا:

= إلا الخصوصي، أخي الوحيد دخلها ماشيًا على قدميه، وخرج منها في اليوم التالي على ظهره.
= يا حاج، حالتك محتاجة رعاية، لكن كما تحب، سأوصي عليك أطباء المستشفى الأميري.

في المستشفى يسخو الحاج على الجميع، حتى يتململ سمارة من كثرة المصاريف، لكن الحاج يأمر بغير كلام، فقط بإشارة من رأسه، ليعطي عاملة النظافة، ويكرم ممرضة النهار،

ويهتم بالأخرى السهرانة، وعامل الهاتف وقاطع التذاكر والقادم والذاهب. يصرخ سمارة في داخله دون أن يصدر صوتًا، أولاد الأبالسة يتلكأون ليحتجزهم الحاج لتناول الطعام،

الغداء يا سمارة، يعرف الابن أن الغداء للجميع وزيادة، فينفض يده في زهق “احنا في إيه ولا في إيه”، لكنه ينادي صبيًا من صبيان المحل ويخبطه على رأسه برقة مستحثًا:

= اجري يا ولد على الزيني، دقيقة واحدة يكون الغداء هنا.

= “فريرة يا معلم سمارة.”

هذه المرة انصاع الحاج لتعليمات الأطباء، مجبرًا، لم يشعر بشهية للبرام، ولا لأي أكل آخر، صعبت عليه نفسه عندما قدموا له طبقًا من حساء ماسخ مع صدر فرخة باهت بدون تحمير، فازداد هوسه بإحضار أطايب الطعام من الزيني للقادمين والذاهبين، واكتفى برؤيتهم وهم يفتكون بالطعام.

حاولت الطبيبة تنظيم الزيارة فلم تفلح، المدير قال لها في استسلام:

= بفلوسه.

في اليوم الثالث طلبت ثلاثة من الاستشاريين، على حساب الحاج طبعًا، وعقدت معهم اجتماعًا بمكتب رئيس القسم، وتداولوا في الحالة، ثم انتقلوا جميعًا لفحص الحاج:
= سلامتك يا حاج، كيف الحال؟
يرد الحاج بصوت واهن:

= الحمد لله.

الطريق إلى سرير الحاج مزدحم بالمارة والواقفين والقاعدين، والأولاد الصغار يتناوشون ويتمازحون، ومجموعة الأطباء تواصل عملها متجاهلة جلبة الصغار وهمس الكبار.

فجأة اندفع صبيان المعلم بصواني الغداء، فارتفعت صيحات الاستحسان، وافترش الجمع الغفير أرضية الاستراحة، وانتثرت طواجن الضاني والريش وورق اللحم وأصابع الكفتة وقطع الكباب وأطباق السلاطة والطحينة،

والأطباء يواصلون فحص الحاج، والمساريع يواصلون الفتك الأليم. الطبيبة قلقة من حالة الرجل، وقلقة أكثر من إهماله لتعليمات الأطباء،

لاحظت أنه أسلم جسده لهم، لكن بصره يتجه ناحية الجمع المتداخل، الأيدي الممدودة، تصنع جسرًا متصلًا بين الطعام والأفواه المفتوحة،

وسمارة يراقب المشهد ويهز رأسه، وشفتاه تتمتم بغير صوت ويفكر.. دخول الحاج المستشفى كأنه عيد، يا ملاعين. كادت مجموعة الأطباء تنتهي من الفحص، فلاحظت الدكتورة منى أن جسد المريض ارتخى فجأة،

ولم يعد قادرًا على الارتكاز على مرفقيه، وتمدد على السرير بطوله وقد أغمضت إحدى عينيه، بينما يجاهد لتبقى الأخرى مسددة نحو الطواجن. رأت الطبيبة ابتسامة واهنة تلوح على وجهه الشاحب،

وتبادل الأطباء معها نظرة فاهمة، أشارت للممرضة بطرف عينها فتبادلت معهم الفهم، وشرعت في تركيب زجاجة المحلول، وغرست الإبرة في ذراع الحاج عبد البديع، وغادر الأطباء المكان دون أن يفسدوا بهجة المحلقين حول البرام.

محمود عرفات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى